الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل الأولى المواصلة في طلب العلم أم التفرغ لخدمة الوالد؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والدي كبير في السن، ومريض، ويحتاج إلى مساعدة وملازمة له، وأنا وأخي -ولله الحمد- ملازمان له، ونسأل الله أن يتقبل منا، أحاول جاهدًا في بعض الأحيان أن أطور من نفسي، وأن أتعلم أو أقرأ أكثر، مع العلم أنني مهندس -ولله الحمد-، وأخي كذلك، وكل ما في الأمر هو أني أجد ثقلًا في التعلم، وجميع أقراني قد نالوا من الشهادات ما نالوا!

السؤال: هل أجتهد أكثر في طلب العلم أم أكتفي بالذي حققته، حتى لا أقصر مع والدي؟

والله أسأل أن يتقبل منا ومنكم -إن شاء الله-، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ هشام حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

في البداية -أخي العزيز- هنيئاً لك هذا البر بوالدك والقيام على رعايته، والحرص على ملازمته، فهذا من أعظم وأرجى القربات عند الله، ثم هنيئًا لك الحرص على طلب العلم والسعي فيه، فهو أيسر الطرق إلى الجنة.

أعلم أخي الفاضل: -وفقك الله- أنه يتأكد فضل البر وأهميته عند كِبر الوالدين، يقول تعالى: (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا)، وذلك لحاجتهما للرعاية والعناية في هذه المرحلة، وهو نوع من رد الجميل والإحسان، عندما كنت طفلًا عاجزًا عن أي شيء كانا يجتهدان في رعايتك، ويتأكد فضل البر أكثر عندما يكون أحدهما في مرض ويحتاج لملازمته والقيام على شؤونه، لذلك ففضل ملازمة والدك لها أولوية دون غيرها، ولا يُستثنى من ذلك إلا في حالات ضيقة من أمثال احتياجك للعلم الضروري الذي تستقيم به عبادتك لله تعالى، كمعرفة الحلال والحرام، وحدود الله تعالى ونحوه.

أخي الفاضل: الأصل أنك تجتهد في الجمع بين الفضيلتين بشتى الوسائل الممكنة، ومن وسائل الجمع أنه ما دام لديك أخ فيمكنكما التناوب في رعاية والدكم، خصوصًا أن العلم الذي تريد تحصيله هو مجرد -الاستزادة حسب سؤالك- وليس علم الضرورات، كما أن القراءة والبحث وتطوير الذات بشتى أنواع العلوم، لا تستلزم منك الانتقال أو الابتعاد عن والدك بشكل دائم أو طويل.

كما يمكن خلال فترة رعاية والدك عدم تجاهل الفوائد التي تقدمها التكنولوجيا الحديثة في تسهيل طلب العلم، كالملفات الصوتية المسجلة، أو الدروس والمحاضرات عبر النقل المباشر، أو الدروس المسجلة للعلماء وطلاب العلم في شتى المجالات، ستجد كل هذا متاحًا ومتوفرًا وميسرًا، وكل هذا مما يجعل الله فيه البركة لو صدقت النية. صحيح أن ملازمة الشيوخ والدكاترة أو الحضور الذاتي للدورات والمحاضرات أفضل، لكنك في وضع يتزاحم هذا الفضل بفضيلة عظيمة وهي رعاية والدك وبرّك به، خصوصًا أنه مريض، والعلم الذي تريده ليس من الضرورات التي توقعك في الحرج في عبادتك لله تعالى، وهذا الكلام ينسحب على العلم الشرعي غير الضروري، أي مما هو من فروض الكفايات، ومن باب أولى كذلك العلم الأكاديمي الدنيوي.

لذلك -أخي الفاضل- ننصحك بأمور، أن تجتهد في الجمع بين طلب العلم وبين ملازمة والدك والقرب منه، فإن عجزت عن ذلك فلك أن تتناوب أنت وأخوك في رعاية والدك حسب ما تستطيعون، فإن لم تستطع فإن كان لديك القدرة على توفير من يقوم برعايته كقريب أو خادم ونحوه فلا بأسا بذلك، فإن لم تستطع فلك أن تستفيد من التكنولوجيا وما تقدمه من تسهيل لطلب العلم، خلال هذه الفترة من حياة والدك.

أخي الفاضل، بركة العلم تحصل بالإخلاص والصدق والعمل بهذا العلم، ولعل قربك من والديك يجعل به الله في قليل العلم البركة والنفع، حتى يقضي الله لك فرصة للتفرغ التام لطلب العلم وتطوير ذاتك، فإذا صدقت النية والعزيمة فلكل مجتهد نصيب، فبادر إلى بناء نفسك علميًا وذاتيًا بما يتوفر لديك من وسائل متاحة، وهي في زماننا كثيرة منتشرة وسهلة.

أخيراً -أخي العزيز-، عليك أن تحتسب أجر ملازمتك لوالدك ورعايتك له، وأن تستشعر في قلبك الرضا بما قسمه الله لك، والدعاء أن يأجرك الله على ذلك، وأن يبارك لك في العلم الذي بين يديك، ويبلغك فضل وبركة ما لم تعلم.

أسأل الله أن يبارك فيك، وأن يُلهمك الرُّشد والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً