الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 261 ] فصل

[ خيار العيب ]

مطلق البيع يقتضي سلامة المبيع ، وكل ما أوجب نقصان الثمن في عادة التجار فهو عيب ، وإذا اطلع المشتري على عيب فإن شاء أخذ المبيع بجميع الثمن ، وإن شاء رده ، والإباق والسرقة والبول في الفراش ليس بعيب في الصغير الذي لا يعقل ، وعيب في الذي يعقل ، ويرد به إلا أن يوجد عند المشتري بعد البلوغ وانقطاع الحيض عيب ، والاستحاضة عيب ، والبخر والدفر والزنا عيب في الجارية دون الغلام ، والشيب والكفر والجنون عيب فيهما ، وإن وجد المشتري عيبا وحدث عنده عيب آخر رجع بنقصان العيب ولا يرده إلا برضا البائع .

وإن صبغ الثوب أو خاطه ، أو لت السويق بسمن ثم اطلع على عيب رجع بنقصانه ، وإن مات العبد أو أعتقه رجع بنقصان العيب ، فإن قتله أو أكل الطعام ( سم ) لم يرجع ، ومن شرط البراءة من كل عيب فليس له الرد أصلا ، وإذا باعه المشتري ثم رد عليه بعيب إن قبله بقضاء رده على بائعه ، وإن قبله بغير قضاء لم يرده ، ويسقط الرد بما يسقط به خيار الشرط .

التالي السابق


فصل

( مطلق البيع يقتضي سلامة المبيع ) لأن الأصل هو السلامة ، وهو وصف مطلوب مرغوب عادة ، والمطلوب عرفا كالمشروط نصا .

قال : ( وكل ما أوجب نقصان الثمن في عادة التجار فهو عيب ) لأن الضرر بنقصان المالية وهم يعرفون ذلك ، وهذا يغني عن ذكر العيوب وتعدادها ، وإذا علم المشتري بالعيب عند الشراء أو عند القبض وسكت فقد رضي به .

قال : ( وإذا اطلع المشتري على عيب فإن شاء أخذ المبيع بجميع الثمن وإن شاء رده ) لأنه لم يرض به ، وليس له أخذه وأخذ النقصان إلا برضى البائع ، لأن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن بالعقد ، وكذلك لو كان المبيع مكيلا أو موزونا ، فوجد ببعضه عيبا ليس له أن يمسك الجيد ويرد [ ص: 262 ] المعيب ، والأصل في هذا أن المشتري لا يملك تفريق الصفقة على البائع قبل التمام لما بينا ويملك بعده ، وخيار الشرط والرؤية وعدم القبض يمنع تمام الصفقة ، وبالقبض تتم الصفقة ، والمراد قبض الجميع حتى لو قبض أحدهما ثم وجد بأحدهما عيبا إما أن يردهما أو يمسكهما; والمكيل والموزون كالشيء الواحد ، ولا يملك رد البعض دون البعض لا قبل القبض ولا بعده ، لأن تمييز المعيب زيادة في العيب ، فكأنه عيب حادث حتى قيل لو كان في وعاءين له رد المعيب منهما بعد القبض لأنه لا ضرر ، وكذا لو اشترى زوجي خف أو مصراعي باب فوجد بأحدهما عيبا قبل القبض أو بعده يردهما أو يمسكهما ، وكذا كل ما في تفريقه ضرر ، وما لا ضرر في تفريقه كالعبدين والثوبين إذا وجد بأحدهما عيبا إن كان قبل القبض ليس له رد أحدهما لأنه تفريق الصفقة قبل تمامها ، وإن كان بعد القبض يجوز لأنه لا ضرر في تفريقها ، لأن الصفقة قد تمت بالقبض ، فجاز رد البعض كما لو اشترى من اثنين ، واستحقاق البعض على هذا التفصيل ما يضره التبعيض فهو عيب ، وما لا فلا .

قال : ( والإباق والسرقة والبول في الفراش ليس بعيب في الصغير الذي لا يعقل ) لأنه لا يقدر على الامتناع من هذه الأشياء وهو ضال لا آبق .

( وعيب في الذي يعقل ) لأنه تعده التجار عيبا .

( ويرد به إلا أن يوجد عند المشتري بعد البلوغ ) .

اعلم أن جواز الرد إنما يثبت عند اتحاد الحال بأن فعل هذه الأشياء عند البائع والمشتري حالة الصغر أو حالة الكبر ، أما إذا فعله عند البائع حالة الصغر ، وعند المشتري حالة الكبر فليس له الرد ، لأن شرط ثبوت الرد اتحاد سبب العيب ، وأنه يختلف بالصغر والكبر ، لأن الإباق والسرقة من الصغير لقلة مبالاته ، وقصور عقله ، ومن الكبير لخبث طبيعته ، والبول في الفراش من الصغير لضعف المثانة ، ومن الكبير لداء في بطنه ، فقد اختلف السببان ، فكان العيب الثاني غير الأول فلا يجب الرد ، بخلاف الجنون حيث له الرد لو جن عند البائع في الصغر ، وعند المشتري بعد البلوغ لأن السبب متحد ، وهو آفة تحل الدماغ في الحالتين .

قال : ( وانقطاع الحيض عيب ) لأنه من داء ، ومعناه إذا كانت ممن يحيض مثلها ، وإنما يعرف ذلك بمضي المدة وأدناه شهران ، وقيل : لا يردها إلا إذا ادعت ارتفاعه بالحبل ، ولو اشترى جارية على أنها تحيض وهي لا تحيض للإياس فهو عيب ؛ لأنه اشتراها للحبل والآيسة لا تحبل .

[ ص: 263 ] قال : ( والاستحاضة عيب ) لأن استمرار الدم مرض ، وعدم الختان عيب في الجارية والغلام إذا كانا كبيرين مولدين ، أما إذا كانا صغيرين أو جلبين فليس بعيب .

قال : ( والبخر والدفر والزنا عيب في الجارية دون الغلام ) لأن ذلك يخل بالمقصود منها وهو الاستفراش والوثوق بكون الولد منه ، والمراد من الغلام الاستخدام ، ولا يخل ذلك به إلا أن يكون من داء فهو عيب فيه أيضا ، وكذا إذا كان كثير الزنا يتبع الزواني لأنه يشتغل به عن الخدمة . قال : ( والشيب والكفر والجنون عيب فيهما ) أما الشيب والجنون فلأنهما ينقصان المالية ، والكافر تنفر الطباع من استخدامه ويقل الوثوق به لعداوة الدين ، ولذا لا يجوز عتقه في بعض الكفارات وكل ذلك عيب ، والنكاح والدين عيب فيهما لأنه نقص فيهما ، والحبل عيب في الجارية دون بهائم بالعرف .

قال : ( وإن وجد المشتري عيبا وحدث عنده عيب آخر رجع بنقصان العيب ، ولا يرده إلا برضا البائع ) لأن من شرط الرد أن يرده كما قبضه دفعا للضرر عن البائع ، فإذا تعذر ذلك بأن عجز عن استيفاء حقه في الجزء الفائت وعن الوصول إلى رأس ماله يثبت له حق الرجوع ببدل الفائت دفعا للضرر عنه ، ونقصان العيب أن يقوم صحيحا ويقوم معيبا ، فما نقص فهو حصة العيب فيرجع بها من الثمن .

قال : ( وإن صبغ الثوب أو خاطه أو لت السويق بسمن ثم اطلع على عيب رجع بنقصانه ) لأن الرد قد تعذر لأنه لا يمكن الفسخ بدون الزيادة وهي لم تكن في العقد فيرجع بالنقصان ، وليس للبائع أخذه لما فيه من الضرر بالمشتري ، والزيادة المنفصلة الحادثة قبل القبض لا تمنع الرد بالعيب وبعده تمنع ، وذلك مثل الولد والعقر والأرش والثمرة لأنها مبيعة ملكت بالبيع ، وهي غير مقصودة ليقابلها الثمن ، لأن الأصل بجميع الثمن ، فلا يمكن ردها فتبقى سالمة للمشتري بغير عوض وأنه ربا ، ولهذا لا يملك ردها برضا البائع ، ولو مات الولد يرد الأم ، ولو استهلكه هو أو غيره لا ترد ، والكسب والغلة لا يمنع الرد بجميع الثمن فكذا سلامة بدلها .

[ ص: 264 ] قال : ( وإن مات العبد أو أعتقه رجع بنقصان العيب ) وكذلك التدبير والاستيلاد; أما الموت فلأنه إنهاء للملك والامتناع من جهة الشرع; وأما العتق فهو إنهاء أيضا ، لأن الملك إنما يثبت في الآدمي موقتا إلى وقت العتق ، والمنتهي متقرر فصار كالموت فقد تعذر الرد وهذا استحسان; والقياس أن لا يرجع في العتق ، لأن الامتناع من جهته كالقتل ، ولو أعتقه على مال أو كاتبه لا يرجع لأن حبس البدل كحبس المبدل .

قال : ( فإن قتله أو أكل الطعام لم يرجع ) أما القتل فلأنه وصل إلى عوضه معنى وهو سقوط الضمان عنه . وعن أبي يوسف أنه يرجع ، لأن قتل المولى عبده لا يتعلق به ضمان; وأما الأكل فلأنه تعذر الرد بفعل مضمون منه فصار كالقتل ، وقالا : يرجع استحسانا لأنه عمل بالمبيع ما هو المقصود منه بالشراء والمعتاد فيه فصار كالإعتاق .

قلنا : لا اعتبار بكون الفعل مقصودا ، فإن المبيع مقصود بالشراء ومع ذلك يمنع الرجوع ، وعلى هذا الخلاف إذا لبس الثوب حتى تخرق ، ولو أكل بعض الطعام فكذا الجواب عنده . وعندهما أنه يرجع بنقصان العيب في الجميع . وعنهما يرد ما بقي ويرجع بنقصان ما أكل لأنه لا يضره التبعيض وعليه الفتوى ، وفي كل موضع كان للبائع أخذه كالعيب الحادث ونحوه ، فباعه المشتري أو أعتقه لم يرجع بالنقصان ، وفي كل موضع ليس له أخذه بسبب الزيادة فباعه أو أعتقه المشتري رجع بالنقصان; ومن اشترى بطيخا أو خيارا أو بيضا أو نحوه فكسره فوجده فاسدا ، فإن كان بحال لا ينتفع به رجع بكل الثمن لأنه ليس بمال ، وإن كان ينتفع به مع الفساد رجع بالنقصان لأنه تعذر الرد ، لأن الكسر عيب حادث فيرجع بالنقصان لما بينا .

قال : ( ومن شرط البراء من كل عيب فليس له الرد أصلا ) لأنه إسقاط والإسقاط لا يفضي إلى المنازعة فيجوز مع الجهالة ، ولو حدث عيب بعد البيع قبل القبض دخل في البراءة عند أبي يوسف خلافا لمحمد وزفر لأنه لم يوجد وقت الإبراء فلا يتناوله ، ولأبي يوسف أن المقصود سقوط حق الفسخ بالعيب ، وذلك البراءة عن الموجود والحادث ، ولو أبرأه من كل غائلة . قال أبو يوسف : هي السرقة والإباق والفجور دون المرض ، لأن الغائلة تختص بالفعل ، وإن أبرأه من كل داء .

قال أبو حنيفة : الداء ما في الجوف من طحال أو كبد أو فساد حيض ، وما سوى ذلك يسمى [ ص: 265 ] مرضا . وقال أبو يوسف هو المرض . ولو قال برئت إليك من كل عيب بعينه فإذا هو أعور ، أو من كل عيب بيده فإذا هو أقطع لا يبرأ لأنه ليس بعيب بالمحل بل هو عدم المحل .

قال : ( وإذا باعه المشتري ثم رد عليه بعيب إن قبله بقضاء رده على بائعه ) لأنه فسخ من الأصل فجعل كأن لم يكن ، وهو وإن أنكر فقد صار مكذبا شرعا .

( وإن قبله بغير قضاء لم يرده ) لأنه بيع جديد في حق ثالث لوجود حده وهو التمليك والتملك ، وإن رد عليه بعيب لا يحدث مثله ، رده عليه أيضا لأن الرد متعين فيه ، فيستوي فيه القضاء وعدمه .

قال : ( ويسقط الرد بما يسقط به خيار الشرط ) وقد ذكرت فيه ، وذكر البعض هنا أيضا .



فصل في التلجئة

وهي في اللغة : ما ألجئ إليه الإنسان بغير اختياره ، ولما كان هذا العقد إنما يعقد عند الضرورة سموه تلجئة ؛ لما فيه من معنى الإكراه ، وفيه ثلاث مسائل :

إحداها : أن تكون التلجئة في نفس المبيع ، مثل أن يخاف على سلعته ظالما أو سلطانا فيقول : أنا أظهر البيع ، وليس ببيع حقيقة ، وإنما هو تلجئة ، ويشهد على ذلك ، ثم يبيعها في الظاهر من غير شرط .

حكى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أن العقد جائز . وروى محمد في الإملاء أنه باطل ولم يحك خلافا ، وهو قول أبي يوسف ومحمد .

وجه الأولى أنهما عقدا عقدا صحيحا وما شرطاه لم يذكراه فيه ، فلا يؤثر فيه كما إذا اتفقا أن يشرطا شرطا فاسدا ثم تبايعا من غير شرط . ووجه الثانية أنهما اتفقا على أنهما لم يقصدا العقد فصارا كالهازلين فلا ينعقد .

الثانية : أن تكون في البدل بأن يتفقا على ألف في السر ويتبايعا في الظاهر بألفين . روى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أن الثمن ثمن العلانية . وروى محمد في الإملاء أن الثمن ثمن السر من غير خلاف وهو قولهما ، لأنهما اتفقا أنهما لم يقصدا الألف الزائدة فكأنهما هزلا بها .

[ ص: 266 ] وجه الأول أن المذكور في العقد هو الذي يصح العقد به ، وما ذكراه سرا لم يذكراه حالة العقد فسقط حكمه .

الثالثة : اتفقا أن الثمن ألف درهم وتبايعا على مائة دينار . قال محمد : القياس أن يبطل العقد ، والاستحسان أن يصح بمائة دينار .

وجه القياس أن الثمن الباطن لم يذكراه في العقد ، والمذكور لم يقصداه فسقط فبقي بلا ثمن فلا يصح .

وجه الاستحسان أن المقصود البيع الجائز لا الباطل ، ولا جائز إلا بثمن العلانية كأنهما أضربا عن السر وذكرا الظاهر ، وليس هذا كالمسألة الأولى لأن المشروط سرا مذكور في العقد وزيادة وتعلق العقد به ، ويثبت لهما الخيار في بيع التلجئة لأنهما لم يقصدا زوال الملك فصار كشرط الخيار لهما فيتوقف على إجازتهما ، ولو ادعى أحدهما التلجئة لم يقبل قوله إلا ببينة لأنه يدعي انفساخ العقد بعد انعقاده ، ويستحلف الآخر لأنه منكر .




الخدمات العلمية