الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : والدليل على الشرط الثاني وأن بيعه بما لا يتغابن الناس بمثله لا يجوز هو أنه عقد معاوضة عن وكالة مطلقة فوجب أن لا يصح بأقل من ثمن المثل قياسا على الشراء .

                                                                                                                                            ولأن كل من لم يملك الهبة لم يملك المحاباة فيه كالوصي والعبد المأذون له في التجارة .

                                                                                                                                            ولأن المحاباة كالهبة لاعتبارها من الثلث ، فلما لم تصح من الوكيل في البيع هبة المال أو [ ص: 540 ] بعضه لم تصح منه المحاباة فيه ، وتحريره أنه عقد استهلك به شيئا من مال موكله بغير إذنه فوجب أن يكون باطلا كالهبة .

                                                                                                                                            فإذا ثبت ما ذكرنا وأن المثل معتبر وأن البيع بما لا يتغابن الناس بمثله باطل فالاعتبار بالغبن عرف الناس في مثل المبيع وليس له حد مقدر .

                                                                                                                                            وقال مالك حد الغبن في البيوع الثلث فصاعدا لقوله صلى الله عليه وسلم " الثلث والثلث كثير " .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : حد الغبن نصف العشر فصاعدا لأنه أقل ما يجب في زكوات الزروع والثمار .

                                                                                                                                            وكلا المذهبين فاسد لأن عرف الناس فيما يكون غبنا كثير يختلف باختلاف الأجناس ، فمن الأجناس ما يكون ربع العشر فيه غبنا كثيرا وهو الحنطة والشعير والذهب والورق ، ومنها ما يكون نصف العشر فيه غبنا يسيرا كالرقيق والجوهر والطرف فلم يجز أن يحد ذلك بقدر مع اختلافه في عرفهم ووجب الرجوع فيه إليهم فما كان في عرفهم غبنا كثيرا أبطلنا وما كان فيه غبنا يسيرا أمضينا لأن البيوع لا تنفك من يسير المغابنات لأنها أرباح التجارات .

                                                                                                                                            فإذا باع الوكيل بما لا يتغابن الناس بمثله كان بيعه باطلا ولا ضمان عليه ما لم يسلم المبيع ، فإن سلمه صار بالتسليم ضامنا ولزمه استرجاع المبيع إن كان باقيا ، فإن هلك في يد المشتري كان كل من الوكيل والمشتري ضامنا .

                                                                                                                                            أما المشتري فضامن لجميع القيمة لأنه قابض عن عقد بيع فاسد .

                                                                                                                                            وأما الوكيل ففي قدر ما يضمنه قولان ذكرهما الشافعي في كتاب الرهن الصغير أحدهما أنه يضمن جميع القيمة لتعديه بالتسليم ، والقول الثاني : أنه يضمن ما غبن فيه من قدر المحاباة لأنه به فسد العقد ولزم الضمان ، وقد مضى في التفريع على القولين في كتاب الرهن ما يقنع .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية