الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                12 - ومما فرعته على القاعدة قول الإمام الأعظم فيما إذا قال لعبده الأكبر سنا منه : هذا ابني فإنه أعمله عتقا مجازا عن هذا حر ، وهما أهملاه ، وقال في المنار من بحث الحروف من أو : وقالا إذا قال لعبده ودابته : هذا حر أو هذا : إنه باطل 13 - ; لأنه اسم لأحدهما غير معين ، وذلك غير محل للعتق ، وعنده هو [ ص: 403 ] كذلك لكن على احتمال التعيين حتى لزمه التعيين ، كما في مسألة العبدين ، والعمل بالمحتمل أولى من الإهدار ، فجعل ما وضع لحقيقته مجازا يحتمله ، وإن استحالت حقيقته ، وهما ينكران الاستعارة عند استحالة الحكم ( انتهى ) .

                قيد بأو ; لأنه لو قال لعبده ، ودابته : أحدكما حر عتق بالإجماع كما في المحيط 14 - وبينا الفرق في شرح المنار 15 - ومنها لو وقف على أولاده ، وليس له إلا أولاد أولاد حمل عليهم صونا للفظ عن الإهمال عملا بالمجاز ، وكذا لو وقف على مواليه وليس له موال وإنما له موال استحقوا ، كما في التحرير . وليس منها ما لو أتى بالشرط والجواب بلا فاء ، فإنا لا نقول بالتعليق لعدم إمكانه فيتنجز ولا ينوي ، خلافا لما روي عن أبي يوسف رحمه الله ، وكذا أنت طالق في مكة فيتنجز إلا إذا أراد في دخولك مكة فيدين ، وإذا دخلت مكة تعليق . وقد جعل الإمام الأسيوطي من فروعها ما وقع في فتاوى السبكي فنذكر [ ص: 404 ] كلامهما بالتمام ، ثم نذكر ما يسره الله تعالى مما يناسب أصولنا . قال السبكي : لو أن رجلا وقف عليه ثم على أولاده ثم على أولادهم ونسله وعقبه ذكرا وأنثى للذكر مثل حظ الأنثيين . على أن من توفي منهم عن ولد أو نسل عاد ما كان جاريا عليه من ذلك على ولده ثم ولد ولده ثم على نسله على الفريضة ، وعلى أن من توفي عن غير نسل عاد ما كان جاريا عليه على من كان درجته من أهل الوقف المذكور ; يقدم الأقرب إليه فالأقرب .

                [ ص: 402 ]

                التالي السابق


                [ ص: 402 ] قوله : ومما فرعته على القاعدة المذكورة قول الإمام الأعظم إلخ : قيل : يحتاج هذا الفرع - مع فرع المرأة المعروفة لأبيها إذا قال لها : هذه بنتي لم تحرم - إلى الفرق لأبي حنيفة الفرق بينهما أن الحرمة الثابتة بقوله : هذا ابني لا ينافي الملك ; لأن عمله في الحقيقة من حين ملكه لا انتفاء الملك من الأصل ، وعمله في المجاز عتقه من حين ملكه أيضا ، وصلح مجازا بخلاف قوله للمرأة المعروفة النسب : هذه بنتي فإن الحرمة الثابتة به تنافي النكاح والمحلية ، والحرمة الثابتة بالطلاق تثبت النكاح ، والمحلية فلم تجز استعارته للطلاق المحرم كما قدمناه قريبا .

                ( 13 ) قوله : ; لأنه اسم لأحدهما غير معين إلخ : يعني أن أو لأحد الشيئين أعم من كل منهما على التعيين ، والأعم يجب صدقه على الأخص ، والواحد الأعم الذي يصدق عليه العبد والدابة غير صالح للعتق ، وإنما يصلح له الواحد المعين الذي هو العبد ، وفيه بحث ; لأن إيجاب العتق إنما هو على ما يصدق عليه أنه أحد الشيئين لا على المفهوم العام ، إذا لا أحكام تتعلق بالذوات لا بالمفهومات .

                هكذا ذكره صاحب التلويح ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لما لم يكن ما صدق عليه أحد الشيئين غير عين صالحا للإيجاب ، وبدون صلاحية لمحل لا يصح الإيجاب أصلا ، وعند الإمام هو كذلك ، أي هو اسم لأحدهما غير عين ، وأنه ليس بمحل لكن يحتمل أحدهما على التعيين مجازا حتى لزمه التعيين في مسألة العبدين كما في الإقرار ، ولو لم يكن يحتمل كلامه لم يجبر عليه إذ المرء لا يجبر على بيان شيء لم يكن من محتملات كلامه ، ولما تعذر العمل بالحقيقة ، أعني الواحد الغير المعين فالعمل بمجاز أعني الواحد المعين أولى من إلغاء الكلام وإبطاله ، وهذا الخلاف مبني على أصل مختلف فيه ، وهو أن المجاز خلف عن الحقيقة في التكلم [ ص: 403 ] عنده فيصار إلى المجاز عند عدم صحة التكلم ، وإن استحال حكم الحقيقة وعندهما : المجاز خلف عن الحقيقة في الحكم فلا يصار إلى المجاز عند استحالة حكم الحقيقة فيلغو .

                ثم ظاهر هذا الكلام يشير إلى أنه لو نوى عبده بهذا الإيجاب لا يعتق عندهما أيضا ; لأن اللغو لا حكم له ، وذكر في المبسوط أنه يعتق عبده إذا نوى .

                ( 14 ) قوله : وبينا الفرق في شرح المنار إلخ : وهو أن قوله : أو هذا تخيير ، وقوله : أحدكما حر إيقاع ، فإنما يقع على من يقبل العتق فأما التخيير فيصح بين من يقبل العتق ، ومن لا يقبله كذا في المحيط انتهى ، وفيه تأمل




                الخدمات العلمية