الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              661 [ 347 ] وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه ، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا .

                                                                                              رواه أحمد ( 2 \ 236 و 271 )، والبخاري ( 615 )، ومسلم ( 437 )، والنسائي ( 1 \ 269 ) .

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              وقوله " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول " ، النداء : الأذان بالصلاة ، والصف الأول اختلف فيه هل هو الذي يلي الإمام أو هو المبكر ؟ والصحيح أنه الذي يلي الإمام ، فإن كان بين الإمام وبين الناس حجب حائلة كما استحدث من مقاصير الجوامع فالصف الأول هو الذي يلي المقصورة .

                                                                                              وقوله " لاستهموا عليه " فيه إثبات القرعة مع تساوي الحقوق ، وأما [ ص: 65 ] تشاحهم في النداء مع جواز أذان الجماعة في زمان واحد فيمكن أن يكون أراد أن يؤذن واحد بعد آخر لئلا يخفى صوت أحدهم .

                                                                                              قال الشيخ رحمه الله : ويمكن التشاح في أذان المغرب إذا قلنا بضيق وقتها ، فإنه لا يؤذن لها إذ ذاك إلا مؤذن واحد . وقد نحا الداودي إلى أن هذا الاستهام في أذان الجمعة ; أي : لو علموا ما فيه لتسابقوا إليه ولاقترعوا عليه أيهم يؤذنه ، وهذا الضمير الذي في " عليه " اختلف فيه على ماذا يعود ؟ فقال أبو عمر بن عبد البر : إنه يعود على الصف الأول ، وهو أقرب مذكور . قال : وهذا وجه الكلام . وقيل : إنه يعود على معنى الكلام المتقدم ; فإنه مذكور ومقول ، ومثل هذا قوله تعالى : ومن يفعل ذلك يلق أثاما [ الفرقان : 68 ] ; أي : ومن يفعل المذكور ، وقيل - وهذا أولى من الأول ; لأنه إن رجع إلى الصف بقي النداء ضائعا لا فائدة له .

                                                                                              وقوله " لاستهموا عليه " ; أي لتقارعوا ، والتهجير : التبكير للصلوات - قاله الهروي . وقيل : المراد هنا به المحافظة على الجمعة والظهر ; فإنها التي تفعل في وقت الهاجرة وهي شدة الحر نصف النهار . ويقال : هجر القوم وأهجروا - صاروا في الهاجرة . وعتمة الليل : ظلمته . وكانت الأعراب تحلب عند شدة الظلمة حلبة وتسميها العتمة ، فكأن لفظ العتمة صار مشتركا بين خسيس وهي الحلبة وبين نفيس وهي الصلاة ، فنهى عن إطلاق لفظ العتمة على الصلاة ليرفع الاشتراك ، وحيث أمن الاشتراك جاز الإطلاق .

                                                                                              وقيل : إنما نهى عن ذلك ليتأدب في الإطلاق ، وليقتدي بما في كتاب الله تعالى من ذلك ، وليجتنب إطلاق الأعراب فإنهم عدلوا عما في كتاب الله [ ص: 66 ] تعالى من ذلك ، ومثل ذلك يمكن أن يقال في قوله عليه الصلاة والسلام : لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب ، وتقول الأعراب هي العشاء .

                                                                                              قال الشيخ : ويمكن أن يقال إن النهي المذكور ليس عن إطلاق ذلك اللفظ لأجل ذلك ، بل لأجل غلبة ما يطلقه الأعراب من ذلك ; لأنه إذا غلب إطلاقهم واقتدي بهم في ذلك الإطلاق ترك ما في كتاب الله وما في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم من تسميته العشاء والمغرب ، وعلى هذا فلا يمتنع إطلاق لفظ العتمة والمغرب عليهما إذا لم يكن غلبة ، والله أعلم .




                                                                                              الخدمات العلمية