الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          وحدثني عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه وإسحق بن عبد الله أنهما أخبراه أنهما سمعا أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا فإن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          152 149 - ( مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب ) المدني ( عن أبيه ) وهو تابعي [ ص: 268 ] كابنه .

                                                                                                          ( وإسحاق بن عبد الله ) بن أبي طلحة أحد شيوخ مالك روى عنه هنا بواسطة ( أنهما أخبراه ) أي العلاء ( أنهما سمعا أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا ثوب بالصلاة ) بضم المثلثة وشد الواو وموحدة قال ابن عبد البر : أي أقيم وأصل ثاب رجع ، يقال : ثاب إلى المريض جسمه فكأن المؤذن رجع إلى ضرب من الأذان للصلاة وقد جاء هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ : إذا أقيمت الصلاة وهو يبين أن التثويب هنا الإقامة ، انتهى .

                                                                                                          وهي رواية الصحيحين من وجه آخر عن أبي هريرة ، وفي رواية لهما أيضا : إذا سمعتم الإقامة وهي أخص من قوله في حديث أبي قتادة عندهما أيضا : إذا أتيتم الصلاة ، لكن الظاهر كما قال الحافظ : إنه في مفهوم الموافقة لأن المسرع إذا أقيمت الصلاة يترجى إدراك التكبيرة الأولى ونحوها ، ومع ذلك نهي عن الإسراع ، فغيره ممن جاء قبل الإقامة لا يحتاج إلى الإسراع لأنه يتحقق إدراك الصلاة كلها فينهى من باب أولى ، ولحظ فيه بعضهم معنى آخر فقال : حكمة التقييد بالإقامة أن المسرع إذا أقيمت الصلاة يصل إليها وقد تعب فيقرأ وهو بتلك الحالة فلا يحصل له تمام الخشوع في الترتيل وغيره ، بخلاف من جاء قبل ذلك فلا تقام الصلاة حتى يستريح ، لكن قضية هذا أنه لا يكره الإسراع لمن جاء قبل الإقامة وهو مخالف لصريح قوله إذا أتيتم الصلاة لأنه يتناول ما قبل الإقامة ، وإنما قيده بالإقامة لأنها الحاملة غالبا على الإسراع ، انتهى .

                                                                                                          ( فلا تأتوها وأنتم تسعون ) تمشون بسرعة وتطلق على العمل نحو : ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ( سورة الإسراء : الآية 19 ) إن سعيكم لشتى ( سورة الليل : الآية 4 ) وعليه حمل قوله تعالى : فاسعوا إلى ذكر الله ( سورة الجمعة : الآية 9 ) كقوله وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ( سورة النجم : الآية 39 ) أو المراد الذهاب فليس معناه الإسراع .

                                                                                                          قال الطيبي : ( وأنتم تسعون ) حال من ضمير الفاعل وهو أبلغ في النهي من لا تسعوا وذلك لأنه مناف لما هو أولى به من الوقار والأدب ، وعقبه بما يدل على حسن الأدب بقوله : ( وأتوها وعليكم السكينة ) ضبطه القرطبي بالنصب على الإغراء ، والنووي بالرفع على أنها جملة في موضع الحال ، زاد غيره : أو السكينة مبتدأ وعليكم خبره .

                                                                                                          وذكر الحافظ العراقي في شرح الترمذي أن المشهور في الرواية الرفع .

                                                                                                          ووقع في رواية الحافظ أبي ذر الهروي للبخاري بالسكينة بالباء واستشكل بأنه متعد بنفسه عليكم أنفسكم وفيه نظر لثبوت زيادتها في أحاديث صحيحة كحديث : " عليكم برخصة الله " وحديث : " فعليه بالصوم فإنه له وجاء " وحديث : " عليك بالمرأة " قاله لأبي طلحة في قصة صفية .

                                                                                                          وحديث : " عليكم بقيام الليل " ، وحديث " عليك بخويصة نفسك " وغير ذلك ، [ ص: 269 ] تعليل هذا المعترض لا يوفي بمقصوده ، إذ لا يلزم من تعديه بنفسه امتناع تعديه بالباء ، إذا ثبت ذلك فيدل على أن فيه لغتين زاد في الصحيحين من وجه آخر عن أبي هريرة " والوقار " ، قال عياض والقرطبي : هو بمعنى السكينة وذكر للتأكيد ، وقال النووي : الظاهر أن بينهما فرقا ، وأن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث والوقار في الهيئة كغض البصر وخفض الصوت وعدم الالتفات ذكره الحافظ ، وقد منع الرضي الاعتراض بأن أسماء الأفعال وإن كان حكمها في التعدي واللزوم حكم الأفعال التي بمعناها لكن كثيرا ما تزاد الباء في مفعولها لضعفها في العمل .

                                                                                                          ( فما أدركتم ) الفاء جواب شرط محذوف أي إذا فعلتم ما أمرتكم به من السكينة فما أدركتم ( فصلوا ) مع الإمام ( وما فاتكم ) معه ( فأتموا ) أي أكملوا ، وفي رواية : فاقضوا ، والأولى أكثر رواية ، وأعمل مالك في المشهور في مذهبه الروايتين فقال : يقضى القول ويبنى الفعل ، وعنه بانيا فيهما عملا برواية " فأتموا " وعليها الشافعي حملا لرواية فاقضوا على معنى الأداء والفراغ فلا يغاير قوله فأتموا لأنه إذا اتحد مخرج الحديث واختلف في لفظة منه وأمكن رد الاختلاف إلى معنى واحد كان أولى وهنا كذلك ، لأن القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالبا لكنه يطلق على الأداء أيضا ويرد بمعنى الفراغ كقوله تعالى : فإذا قضيت الصلاة ( سورة الجمعة : الآية 10 ) وعنه يكون قاضيا فيهما ، وبه قال أبو حنيفة ، وفي هذا تنبيه لدفع توهم أن النهي إنما هو لمن لم يخف فوت بعض الصلاة فصرح بالنهي ، وإن فات من الصلاة ما فات وبين ما يفعل فيما فات بقوله فما . . . إلخ .

                                                                                                          قال ابن عبد البر : الواجب أي المطلوب إتيان الصلاة بالسكينة ولو خاف فواتها لأمره - صلى الله عليه وسلم - بذلك وهو الحجة خلافا لمن جوز السعي لخوف الفوات ، وقد أكد ذلك ببيان العلة بقوله ( فإن أحدكم في صلاة ما كان ) مدة كونه ( يعمد ) بكسر الميم يقصد ( إلى الصلاة ) أي إنه في حكم المصلي ، فينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده واجتناب ما ينبغي له اجتنابه ، ونبه بهذا على أنه لو لم يدرك من الصلاة شيئا لكان محصلا لمقصوده لكونه في صلاة ، وعدم الإسراع أيضا يستلزم كثرة الخطأ وهو معنى مقصود لذاته ، وجاءت فيه أحاديث تقدم شيء منها ، وفي الصحيحين عن أنس أن بني سلمة أرادوا أن يتحولوا عن منازلهم فينزلوا قريبا من النبي - صلى الله عليه وسلم - فكره أن يعروا منازلهم فقال : " يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم ؟ " فأقاموا .

                                                                                                          ولمسلم عن جابر فقالوا : ما يسرنا إذا كنا تحولنا ، واستدل به الجمهور على حصول فضل الجماعة بإدراك أي جزء من الصلاة لقوله : " فما أدركتم فصلوا " ولم يفصل بين قليل وكثير ، وقيل إنما يدرك فضلها بركعة وهو مذهب مالك للحديث السابق : " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " وقياسا على الجمعة ، واستدل به أيضا على [ ص: 270 ] طلب الدخول مع الإمام في أي حالة وجد عليها ، وأصرح منه ما أخرجه ابن أبي شيبة عن رجل من الأنصار مرفوعا : " من وجدني قائما أو راكعا أو ساجدا فليكن معي على حالتي التي أنا عليها " ، واستدل به أيضا على أن من أدرك الإمام راكعا لم تحسب له تلك الركعة للأمر بإتمام ما فاته ، وقد فاته الوقوف والقراءة فيه وهو قول أبي هريرة وجماعة ، واختاره ابن خزيمة وغيره وقواه التقي السبكي ، وحجة الجمهور حديث أبي بكرة لما ركع دون الصف فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : " زادك الله حرصا ولا تعد " ولم يأمره بإعادة تلك الركعة ، وقد تابع مالكا في رواية هذا الحديث عن العلاء إسماعيل بن جعفر قال : أخبرني العلاء رواه مسلم بلفظه وهو في مسند أحمد والكتب الستة من طرق عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ : " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون ، وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " وله طرق كثيرة وألفاظ متقاربة .

                                                                                                          وأخرجه الشيخان أيضا من حديث أبي قتادة بلفظ : " إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة " والباقي نحوه .




                                                                                                          الخدمات العلمية