الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          وحدثني عن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عباس كان يقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف وفي مثل ما بين مكة وعسفان وفي مثل ما بين مكة وجدة قال مالك وذلك أربعة برد وذلك أحب ما تقصر إلي فيه الصلاة قال مالك لا يقصر الذي يريد السفر الصلاة حتى يخرج من بيوت القرية ولا يتم حتى يدخل أول بيوت القرية أو يقارب ذلك

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          344 342 - ( مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عباس كان يقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف ) وبينهما ثلاثة مراحل أو اثنان ( وفي مثل ما بين مكة وعسفان ) وبينهما ثلاثة مراحل ، ونونه زائدة ويذكر ويؤنث .

                                                                                                          ( وفي مثل ما بين مكة وجدة ) بضم الجيم ساحل البحر بمكة ، قال الباجي : أكثر مالك من ذكر أفعال الصحابة لما لم يصح عنده في ذلك توقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى .

                                                                                                          ( قال مالك : وذلك ) المذكور من هذه الأماكن ( أربعة برد ) قال الحافظ : روي عن ابن عباس مرفوعا أخرجه الدارقطني وابن أبي شيبة من طريق عبد الوهاب [ ص: 515 ] عن مجاهد عن أبيه وعطاء عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان " ، وإسناده ضعيف من أجل عبد الوهاب .

                                                                                                          وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال : " لا تقصر الصلاة إلا في اليوم ولا تقصر فيما دون اليوم " ولابن أبي شيبة من وجه آخر صحيح عنه قال : " تقصر الصلاة في مسير يوم وليلة " ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأن مسافة برد يمكن سيرها في يوم واحد .

                                                                                                          ( وذلك أحب ما تقصر إلي فيه الصلاة ) من الأقوال المنتشرة إلى نحو عشرين قولا فـ " أحب " عائد لاختياره يعني أنه لا يقصر في أقل منها وهي ستة عشر فرسخا ثمانية وأربعون ميلا ، وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد وجماعة ، وعن مالك مسيرة يوم وليلة ، قال ابن القاسم : رجع عنه ، قال عبد الوهاب : وهو وفاق فإنما رجع عن التحديد بيوم وليلة إلى لفظ أبين منه .

                                                                                                          وقال أبو حنيفة : لا تقصر في أقل من ثلاثة أيام لحديث الصحيحين : " لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم " وأجيب بأنه لم يسق لبيان مسافة القصر بل لنهي المرأة عن الخروج وحدها ولذا اختلفت ألفاظه ، فروي يوما وليلة ومسيرة يومين وبريدا ، وأيد بأن الحكم في نهي المرأة عن السفر وحدها متعلق بالزمان فلو قطعت مسيرة ساعة واحدة في يوم لتعلق بها النهي ، بخلاف المسافر لو قطع مسيرة نصف يوم في يومين مثلا لم يقصر فافترقا على أن تمسك الحنفية بالحديث مخالف لقاعدتهم أن الاعتبار برأي الصحابي لا بما روي ، فلو كان الحديث عنه لبيان أقل مسافة القصر لما خالفه وقصر في مسير اليوم التام .

                                                                                                          وقالت طائفة من أهل الظاهر : يقصر في كل سفر ولو ثلاثة أميال لظاهر قوله تعالى : وإذا ضربتم في الأرض ( سورة النساء : الآية 101 ) ولم يحدد المسافة .

                                                                                                          وروى مسلم وأبو داود عن أنس : " كان صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ قصر الصلاة " وهو أصح ما ورد في بيان ذلك وأصرحه وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر لا غاية السفر .

                                                                                                          قال الحافظ : ولا يخفى بعد هذا الحمل ، مع أن البيهقي روى أن يحيى بن يزيد قال : سألت أنسا عن قصر الصلاة وكنت أخرج إلى الكوفة يعني من البصرة فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع ، فقال أنس : فذكر الحديث فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر لا عن الموضع الذي يبتدأ منه القصر ، ثم الصحيح أنه لا يتقيد بمسافة بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منه ، ورده القرطبي بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به فإن أراد لا يحتج به في التحديد بثلاثة أميال فمسلم ، لكن لا يمتنع أن يحتج به في التحديد بثلاثة فراسخ فإن الثلاثة أميال مندرجة فيها فيؤخذ بالأكثر احتياطا .

                                                                                                          ( قال مالك : لا يقصر الذي يريد السفر الصلاة حتى يخرج من بيوت القرية ) كلها وهذا مجمع عليه [ ص: 516 ] واختلف فيما قبل الخروج من البيوت ، فعن بعض السلف : إذا أراد السفر قصر ولو في بيته .

                                                                                                          ورده ابن المنذر بأنه لا يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر في شيء من أسفاره إلا بعد خروجه عن المدينة ، وحديث الصحيحين عن أنس : " صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين " دليل على ذلك ولا دلالة فيه على القصر في السفر القصير لأن بين ذي الحليفة والمدينة ستة أميال ، لأنها لم تكن منتهى سفره بل كان ذلك لخروجه لحجة الوداع فنزل بها فقصر العصر واستمر يقصر حتى رجع .

                                                                                                          ( ولا يتم حتى يدخل أول بيوت القرية أو يقارب ذلك ) وكذا رواه ابن القاسم في المدونة .

                                                                                                          وروى علي في المجموعة عن مالك : حتى يدخل منزله .

                                                                                                          وروى مطرف وابن الماجشون : يقصر إلى الموضع الذي يقصر منه عند خروجه .




                                                                                                          الخدمات العلمية