الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

وقوله - صلى الله عليه وسلم - " له عليه بينة " دليل على مسألتين :

إحداهما : أن دعوى القاتل أنه قتل هذا الكافر ، لا تقبل في استحقاق سلبه .

الثانية : الاكتفاء في ثبوت هذه الدعوى بشاهد واحد من غير يمين ، لما ثبت في الصحيح عن أبي قتادة : ( قال خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حنين ، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة ، فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين ، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه ، وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ، ثم أدركه الموت فأرسلني ، فلحقت عمر بن الخطاب ، فقال ما للناس ؟ فقلت : أمر الله ، ثم إن الناس رجعوا ، وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه " ، قال فقمت فقلت : من يشهد لي ؟ ثم جلست ، ثم قال مثل ذلك ، قال : فقمت فقلت : من يشهد لي ؟ ثم قال ذلك الثالثة ، فقمت ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ما لك يا أبا قتادة ؟ " فقصصت عليه " القصة ، فقال رجل من القوم : صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي ، فأرضه من حقه ، فقال أبو بكر الصديق : لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من [ ص: 431 ] أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ، فيعطيك سلبه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " صدق فأعطه إياه " ، فأعطاني ، فبعت الدرع فابتعت به مخرفا في بني سلمة ، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام ) .

وفي المسألة ثلاثة أقوال : هذا أحدها ، وهو وجه في مذهب أحمد .

والثاني : أنه لا بد من شاهد ويمين ، كإحدى الروايتين عن أحمد .

والثالث - وهو منصوص الإمام أحمد - أنه لا بد من شاهدين ؛ لأنها دعوى قتل فلا تقبل إلا بشاهدين .

وفي القصة دليل على مسألة أخرى ، وهي أنه لا يشترط في الشهادة التلفظ بلفظ " أشهد " وهذا أصح الروايات عن أحمد في الدليل ، وإن كان الأشهر عند أصحابه الاشتراط ، وهي مذهب مالك . قال شيخنا : ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين اشتراط لفظ الشهادة ، وقد قال ابن عباس : شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح .

ومعلوم أنهم لم يتلفظوا له بلفظ أشهد ، إنما كان مجرد إخبار .

وفي حديث ماعز ، فلما شهد على نفسه أربع شهادات رجمه ، وإنما كان منه مجرد إخبار عن نفسه ، وهو إقرار ، وكذلك قوله تعالى : ( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد ) [ الأنعام : 19 ] ، وقوله ( قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) [ الأنعام : 130 ] .

وقوله ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا ) [ النساء : 166 ] .

وقوله ( أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ) [ آل عمران : 81 ] ، وقوله ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط ) [ آل عمران : 18 ] ، إلى [ ص: 432 ] أضعاف ذلك مما ورد في القرآن والسنة ، من إطلاق لفظ الشهادة على الخبر المجرد عن لفظ أشهد .

وقد تنازع الإمام أحمد ، وعلي بن المديني في الشهادة للعشرة بالجنة ، فقال علي : ( أقول هم في الجنة ، ولا أقول أشهد أنهم في الجنة . فقال الإمام أحمد : متى قلت هم في الجنة فقد شهدت ) وهذا تصريح منه بأنه لا يشترط في الشهادة لفظ أشهد . وحديث أبي قتادة من أبين الحجج في ذلك .

فإن قيل : إخبار من كان عنده السلب إنما كان إقرارا بقوله هو عندي ، وليس ذلك من الشهادة في شيء .

قيل : تضمن كلامه شهادة وإقرارا بقوله " صدق " ، شهادة له بأنه قتله ، وقوله : هو " عندي " إقرار منه بأنه عنده ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قضى بالسلب بعد البينة ، وكان تصديق هذا هو البينة .

التالي السابق


الخدمات العلمية