الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1875 1876 1877 1878 ص: وذهب آخرون في صلاة الخوف إلى ما حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق ، قالا: ثنا أبو عاصم ، عن الأشعث ، عن الحسن ، عن أبي بكرة: " ، أن النبي - عليه السلام - صلى بهم

                                                [ ص: 242 ] صلاة الخوف، فصلى بطائفة منهم ركعتين ثم انصرفوا، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعتين، فصلى رسول الله - عليه السلام - أربعا، وكل طائفة ركعتين".
                                                .

                                                حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو حرة ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، عن النبي - عليه السلام - مثله.

                                                حدثنا ابن أبي داود ، قال: ثنا موسى بن إسماعيل ، قال: ثنا أبان ، قال: ثنا يحيى ، عن أبي سلمة ، عن جابر بن عبد الله ، قال: "كنا مع رسول الله - عليه السلام - بذات الرقاع فأقيمت الصلاة ... " فذكر مثله.

                                                وحدثنا ابن خزيمة ، قال: ثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، قال: ثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سليمان بن قيس ، عن جابر بن عبد الله ، قال: " كان النبي - عليه السلام - يحارب خصفة، فصلى صلاة الخوف ... " فذكر مثل ذلك.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي ذهب جماعة آخرون في كيفية صلاة الخوف إلى حديث أبي بكرة وجابر ابن عبد الله - رضي الله عنهما -، وأراد بهم: الحسن البصري والأشعث وسليمان بن قيس .

                                                وقال أبو داود بعد أن أخرج حديث أبي بكرة: وبذلك كان يفتي الحسن البصري; وذلك لأنه على قضية التعديل وعبرة التسوية بين الصلاتين لا تفضل فيها طائفة على الأخرى، بل كل يأخذ قسطه من فضيلة الجماعة وحصته من بركة الأسوة.

                                                ثم إنه أخرج حديث أبي بكرة -وهو نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي الصحابي - رضي الله عنه- من طريقين صحيحين.

                                                الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد ، عن الأشعث بن عبد الملك الحمراني أبي هانئ البصري، وثقه النسائي، وروى له البخاري تعليقا، واحتج به الأربعة.

                                                عن الحسن البصري ، عن أبي بكرة .

                                                [ ص: 243 ] وأخرجه أبو داود : ثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا الأشعث ، عن الحسن ، عن أبي بكرة قال: "صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خوف الظهر، فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو، فصلى ركعتين ثم سلم، فانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلوا خلفه، فصلى بهم ركعتين ثم سلم، فكانت لرسول الله - عليه السلام - أربعا ولأصحابه ركعتين ركعتين".

                                                الثاني: عن أبي بكرة ، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي ، عن أبي حرة واصل بن عبد الرحمن ، عن الحسن البصري ، عن أبي بكرة نفيع ، عن النبي - عليه السلام -.

                                                وأخرجه النسائي : أنا عمرو بن علي، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا الأشعث ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، عن النبي - عليه السلام -: "أنه صلى صلاة الخوف بالذين خلفه ركعتين، والذين جاءوا بعد ركعتين، فكانت للنبي - عليه السلام - أربع ركعات ولهؤلاء ركعتين ركعتين" انتهى.

                                                وقال المنذري في "مختصر السنن": قال بعضهم: كان النبي - عليه السلام - في غير حكم سفر، وهم مسافرون، وقال بعضهم: هذا خاص بالنبي - عليه السلام -; لفضيلة الصلاة خلفه.

                                                وقال الخطابي والنووي: وفيه دليل على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل، ويعترض عليه بأنه لم يسلم من الفرض كما في حديث جابر .

                                                وقيل: إنه - عليه السلام - كان مخيرا بين القصر والإتمام في السفر فاختار الإتمام واختار لمن خلفه القصر.

                                                وقال بعضهم: كان في حضر ببطن نخلة على باب المدينة ولم يكن مسافرا، وإنما كان خوف فمنع منه محترسا.

                                                [ ص: 244 ] قلت: يتقوى هذا بحديث أخرجه البيهقي في "المعرفة" من طريق الشافعي: أخبرنا الثقة ابن عيينة أو غيره، عن يونس ، عن الحسن ، عن جابر: "أن النبي - عليه السلام - كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطن نخلة، فصلى بطائفة ركعتين ثم سلم، ثم جاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعتين ثم سلم".

                                                وأخرج الدارقطني : عن عنبسة ، عن الحسن ، عن جابر: "أن النبي - عليه السلام - كان محاصرا لبني محارب، فنودي بالصلاة ... " فذكر نحوه.

                                                والأول أصح، إلا أن فيه شائبة الانقطاع; فإن شيخ الشافعي مجهول، وأما الثاني ففيه عنبسة بن سعيد القطان ضعفه غير واحد.

                                                وقال غيره: لم نجد عن النبي - عليه السلام - أنه صلى صلاة الخوف قط في حضر، ولم يكن له حرب قط في حضر إلا يوم الخندق، ولم تكن نزلت صلاة الخوف بعد، والله أعلم.

                                                وأما حديث جابر فأخرجه من طريقين صحيحين أيضا:

                                                الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن موسى بن إسماعيل المنقري أبي سلمة التبوذكي البصري شيخ البخاري وأبي داود ، عن أبان بن يزيد العطار روى له الجماعة سوى ابن ماجه ، عن يحيى بن أبي كثير الطائي روى له الجماعة، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف روى له الجماعة، عن جابر بن عبد الله .

                                                وأخرجه مسلم مطولا : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عفان، قال: نا أبان، قال: نا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن جابر قال: "أقبلنا مع رسول الله - عليه السلام - حتى إذا كنا بذات الرقاع قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله

                                                [ ص: 245 ] - عليه السلام -، قال: فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله - عليه السلام - معلق بشجرة، فأخذ سيف النبي - عليه السلام - واخترطه، فقال لرسول الله - عليه السلام -: أتخافني؟ قال: لا، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله يمنعني منك. قال: فتهدده أصحاب النبي - عليه السلام - فأغمد السيف وعلقه، قال: فنودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين قال: فكانت لرسول الله - عليه السلام - أربع ركعات وللقوم ركعتان".


                                                وأخرجه البخاري تعليقا وقال: قال أبان: عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن جابر: "كنا مع رسول الله - عليه السلام - بذات الرقاع فإذا أتينا على شجرة ظليلة ... " إلى آخره نحوه.

                                                وكذلك أخرجه أبو داود معلقا وقال: وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة ، عن جابر ، عن النبي - عليه السلام -.

                                                واستدل بهذا الحديث صاحب "الهداية" من أصحابنا أن الإمام إذا كان مقيما يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة الثانية ركعتين.

                                                وقال ابن قدامة: وتأول القاضي هذا الحديث على أن النبي - عليه السلام - صلى بهم كصلاة الحضر، وأن كل طائفة قضت ركعتين، وهذا ظاهر الفساد جدا; لأنه يخالف صفة الرواية، وقول أحمد، ومحمله محمل فاسد، أما الرواية فإنه ذكر أنه صلى بكل طائفة ركعتين ولم يذكر قضاء، ثم قال في آخره: وللقوم ركعتين ركعتين، وأما قول أحمد فإنه ستة أوجه أو سبعة يروي فيها كلها جائز، وعلى هذا التأويل لا يكون ستة ولا خمسة، ولأنه قال: كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فهو جائز، وهذا مخالف لهذا التأويل، وأما فساد المحمل، فإن الخوف يقتضي تخفيف الصلاة وقصرها كما قال الله تعالى: فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا وعلى هذا التأويل يجعل مكان الركعتين أربعا ويتم الصلاة المقصورة، ولم ينقل عن النبي - عليه السلام - أنه أتم صلاة السفر فكيف يحمل ها هنا على أنه أتمها في موضع وجد فيه ما يقتضي التخفيف؟

                                                قلت: هذا الكلام لا يخلو عن نوع نظر، فإن قوله: "فإن الخوف يقتضي تخفيف الصلاة وقصرها". غير صحيح إن أراد العموم; لأن المقيمين إذا صلوا صلاة الخوف لا يجوز لهم أن يقصروا.

                                                وكذا قوله: "ولم ينقل عن النبي - عليه السلام - أنه أتم الصلاة في السفر". فيه نظر; لأنا قد ذكرنا عن البعض أنه - عليه السلام - كان مخيرا في السفر بين القصر والإتمام، فعلى هذا يمكن أن يكون في حديث جابر مسافرا ويكون قد أتم الصلاة، والله أعلم.

                                                الطريق الثاني: عن محمد بن خزيمة ، عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب البصري شيخ مسلم والترمذي وابن ماجه ، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري ، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري الكوفي ، عن سليمان بن قيس اليشكري الكوفي ، عن جابر بن عبد الله .

                                                وأخرجه أحمد في "مسنده" : ثنا عفان، نا أبو عوانة، نا أبو بشر ، عن سليمان بن قيس ، عن جابر بن عبد الله قال: "قاتل رسول الله - عليه السلام - محارب خصفة بنخل، فرأوا من المسلمين غرة، فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث حتى قام على رسول الله - عليه السلام - بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ [قال: الله -عز وجل-. فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله - عليه السلام - فقال: من يمنعك مني؟] قال: كن كخير آخذ، قال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: لا، ولكن أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله، قال: فذهب إلى أصحابه،

                                                [ ص: 247 ] قال: قد جئتكم من عند خير الناس، فلما كان الظهر والعصر صلى بهم صلاة الخوف، فكان الناس طائفتين: طائفة بإزاء عدوهم، وطائفة صلوا مع رسول الله - عليه السلام - فصلى بالطائفة الذين كانوا معه ركعتين، ثم انصرفوا، فكانوا بمكان أولئك الذين بإزاء عدوهم، وجاء أولئك فصلى بهم رسول الله - عليه السلام - ركعتين، فكان للقوم ركعتان ركعتان، ولرسول الله - عليه السلام - أربع ركعات".


                                                وقال البخاري : قال مسدد: عن أبي عوانة ، عن أبي بشر: اسم الرجل غورث بن الحارث، وقاتل فيها محارب خصفة .

                                                قوله: "كان النبي - عليه السلام - يحارب خصفة" هكذا وقع في نسخ الطحاوي "يحارب" بالياء آخر الحروف، وهو جملة تقع خبرا لـ"كان"، ورأيت في بعض النسخ "محارب خصفة" بالميم، فإن صح فوجهه أن يكون اسم فاعل من حارب، ويكون مضافا إلى "خصفة" منصوبا لأنه خبر كان، والذي في رواية البخاري وأحمد كما ذكرنا آنفا "قاتل النبي - عليه السلام - محارب خصفة".

                                                قال في "العباب" وغيره: محارب قبيلة من فهر، وخصفة -بفتح الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة- أبو حي من العرب، وهو خصفة بن قيس غيلان .

                                                وفي "مطالع الأنوار": خصفة والد محارب .

                                                فالمعنى على روايتهما: قاتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محارب التي هي قبيلة من خصفة، فتكون الإضافة; للبيان والتمييز، فافهم.

                                                قوله: "بنخل" في رواية أحمد أي: في نخل، وهو موضع بنجد من أرض غطفان.




                                                الخدمات العلمية