الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1903 1904 1905 ص: وقد حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل ، عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة من بني مالك بن حسل، قال: حدثني أبي قال: " أرسلني الوليد بن عقبة أسأل له عن صلاة النبي - عليه السلام - في الاستسقاء، فأتيت ابن عباس - رضي الله عنهما - فقلت: إنا تمارينا في المسجد في صلاة النبي - عليه السلام - في الاستسقاء. قال: لا، ولكن أرسلك ابن أخيكم الوليد بن عقبة -وهو أمير المدينة- ولو أنه أرسل وسأل ما كان بذلك بأس، ثم قال: قال ابن عباس: خرج رسول الله - عليه السلام - متبذلا متواضعا متضرعا ، حتى أتى المصلى، فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبر، فصلى ركعتين كما يصلي في العيدين". .

                                                فقوله: "كما يصلي في العيدين" يحتمل أنه جهر فيهما كما يجهر في العيدين.

                                                حدثنا فهد ، قال: ثنا عبيد بن إسحاق العطار ، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل ..... فذكر بإسناده مثله، وزاد: "فصلى ركعتين ونحن خلفه يجهر فيهما بالقراءة، ولم يؤذن ولم يقم"، ولم يقل: "مثل صلاة العيدين".

                                                فدل ذلك أن قوله: "مثل صلاة العيدين" في الحديث الأول إنما أراد به هذا المعنى: أنه صلى بلا أذان ولا إقامة كما يفعل في العيدين.

                                                [ ص: 298 ] حدثنا فهد قال: ثنا أبو نعيم ، قال: ثنا سفيان ، عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة ، عن أبيه ... ، فذكر مثل حديث ربيع، عن أسيد .

                                                "قال سفيان: : فقلت للشيخ: الخطبة قبل الصلاة أو بعدها؟ قال: لا أدري".

                                                ففي هذا الحديث ذكر الصلاة والجهر فيها بالقراءة، ودل جهره فيها بالقراءة أنها كصلاة العيدين التي تفعل نهارا في وقت خاص فحكمها الجهر، وكذلك أيضا صلاة الجمعة هي من صلاة النهار، ولكنها مفعولة في وقت خاص، فحكمها الجهر، فثبت بذلك أن كذلك حكم الصلوات التي تصلى بالنهار لا في سائر الأيام ولكن لعارض، ولا في وقت خاص فحكمها المخافتة; . فثبت بما ذكرنا أن صلاة الاستسقاء سنة قائمة لا ينبغي تركها.

                                                التالي السابق


                                                ش: لما ذكر الأحاديث التي فيها بيان خروج النبي - عليه السلام - إلى المصلى واستسقائه وتقليب ردائه; شرع يبين الأحاديث التي فيها بيان كيفية الصلاة فيه.

                                                فأخرج حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -:

                                                أولا: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي وراوي أمهات الكتب عنه، عن أسد بن موسى -الذي يقال له: أسد السنة- عن حاتم بن إسماعيل المدني أبي إسماعيل روى له الجماعة، عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة المدني، قال أبو حاتم: شيخ. روى له الأربعة.

                                                عن أبيه إسحاق بن عبد الله المدني- قال أبو زرعة: ثقة. روى له الأربعة.

                                                عن الوليد بن عقبة -بالقاف- والصواب: ابن عتبة بالتاء المثناة من فوق عوض القاف .

                                                كذا قال أبو داود .

                                                وأخرجه عن النفيلي، وعن عثمان بن أبي شيبة، كلاهما عن حاتم بن إسماعيل ... إلى آخره.

                                                [ ص: 299 ] ففي رواية النفيلي: عتبة بالتاء، وفي رواية عثمان: عقبة بالقاف. فقال أبو داود عقيب روايته: والصواب: ابن عتبة، وقول عثمان: بالقاف. خطأ، وهو الوليد ابن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وكان والي المدينة لعمه معاوية بن أبي سفيان ولابن عمه يزيد وكان جوادا حليما.

                                                وأخرجه البيهقي في "سننه" نحو رواية الطحاوي: من حديث إبراهيم بن موسى، نا حاتم بن إسماعيل، ثنا هشام بن إسحاق، ثنا أبي قال: "أرسلني الوليد ابن عقبة أمير المدينة إلى ابن عباس، أسأله عن صلاة النبي - عليه السلام - في الاستسقاء، فأتيته، فقلت: إنا تمارينا في الاستسقاء. فقال: لا، ولكن أرسلك ابن أخيكم، ولو أنه أرسل فسأل ما كان بذلك بأس، خرج رسول الله - عليه السلام - ... " إلى آخره.

                                                وأخرجه الترمذي أيضا: ثنا قتيبة، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل ، عن هشام بن إسحاق ، عن أبيه قال: "أرسلني الوليد بن عقبة وهو أمير المدينة إلى ابن عباس أسأله عن استسقاء رسول الله - عليه السلام - فأتيته فقال: إن رسول الله - عليه السلام - خرج متبذلا متواضعا متضرعا حتى أتى المصلى، فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء، والتضرع، والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد".

                                                قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.

                                                وأخرجه النسائي : أنا محمود بن غيلان، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان ، عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة ، عن أبيه قال: "أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس أسأله عن الاستسقاء، فقال ابن عباس: ما منعه أن يسألني؟ خرج رسول الله - عليه السلام - متواضعا متبذلا متخشعا متضرعا، فصلى ركعتين كما يصلي في العيدين، ولم يخطب خطبتكم".

                                                [ ص: 300 ] وأخرجه ابن ماجه : ثنا علي بن محمد ومحمد بن إسماعيل، قالا: ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن هشام بن إسحاق ... إلى آخره نحو رواية النسائي سواء.

                                                قوله: "إنا تمارينا" من التماري وهو المجادلة على مذهب الشك والريبة، وكذلك المماراة، ويقال للمناظرة: مماراة; لأن كل واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه ويمتريه كما يمتري الحالب اللبن من الضرع.

                                                قوله: "متبذلا" حال من الضمير الذي في "خرج"، من التبذل وهو ترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة; على جهة التواضع.

                                                قوله: "متواضعا متضرعا" حالان أيضا إما من المتداخلة أو من المترادفة.

                                                واستدل به الشافعي على أنه يكبر كما يكبر في العيدين; لأنه قال: "كما يصلى في العيدين".

                                                والجواب عنه: أن المراد من التشبيه في العدد والجهر بالقراءة، وفي كون الركعتين قبل الخطبة.

                                                فإن قيل: قد روى الحاكم في "المستدرك" والدارقطني ثم البيهقي : عن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه، عن طلحة قال: "أرسلني مروان إلى ابن عباس أسأله عن سنة الاستسقاء، فقال: سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين إلا أن رسول الله - عليه السلام - قلب رداءه، فجعل يمينه على يساره، ويساره على يمينه، وصلى ركعتين كبر في الأولى سبع تكبيرات، وقرأ بـ سبح اسم ربك الأعلى وقرأ في الثانية هل أتاك حديث الغاشية وكبر فيها خمس تكبيرات".

                                                [ ص: 301 ] قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

                                                قلت: الجواب عنه من وجهين:

                                                الأول: أنه ضعيف; فإن محمد بن عبد العزيز هذا قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، ليس له حديث مستقيم. وقال ابن حبان في كتاب "الضعفاء": يروي عن الثقات المعضلات ويتفرد بالطامات عن الأثبات حتى سقط الاحتجاج به.

                                                وقال ابن قطان في كتابه: هو أحد ثلاثة إخوة كلهم ضعفاء: محمد ، وعبد الله ، وعمران، بنو عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، وأبوهم عبد العزيز مجهول الحال، فاعتل الحديث بهما.

                                                والثاني: أنه معارض بحديث رواه الطبراني في "الأوسط" : نا مسعدة بن سعد العطار، ثنا إبراهيم بن المنذر، نا محمد بن فليح، حدثني عبد الله بن حسين بن عطاء ، عن داود بن بكر بن أبي الفرات ، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله - عليه السلام - استسقى، فخطب قبل الصلاة، واستقبل القبلة، وحول رداءه، ثم نزل، فصلى ركعتين، لم يكبر فيهما إلا تكبيرة".

                                                ويستفاد منه أحكام:

                                                استحباب خروج المستسقي إلى الصحراء على وجه التبذل والخضوع والتضرع; لأن هذه الحالة تقتضي هذه الأشياء، وهي الملائمة لتلك الحالة، واستحباب الدعاء والتضرع والتكبير.

                                                وفيه: دلالة على أن صلاته ركعتان كصلاة العيد يجهر بالقراءة فيهما.

                                                وأنها بلا أذان ولا إقامة نحوها.

                                                [ ص: 302 ] قوله: "كما يصلي في العيدين يحتمل أنه جهر فيهما ... " إلى آخره: إشارة إلى بيان وجه هذا التشبيه أي: فقول ابن عباس: "كما يصلي في العيدين" يحتمل أنه جهر فيهما بالقراءة كما كان يجهر في صلاة العيدين.

                                                واستدل على هذا بما أخرجه عن فهد بن سليمان ، عن عبيد بن إسحاق العطار، ضعفه يحيى بن معين والدارقطني، ورضيه أبو حاتم .

                                                عن حاتم بن إسماعيل ، عن هشام بن إسحاق ، عن أبيه ... إلى آخره نحو الحديث المذكور، وزاد في روايته هذه: "فصلى ركعتين ونحن خلفه ... " إلى آخره.

                                                فدل هذا الحديث أن قوله في الحديث الأول: "مثل صلاة العيدين" معناه: أنه صلى بلا أذان ولا إقامة كما يفعل في العيدين.

                                                ثم أخرج عن فهد أيضا، عن أبي نعيم الفضل بن دكين ، عن سفيان الثوري ، عن هشام بن إسحاق ، عن أبيه مثل حديث ربيع بن سليمان ، عن أسد بن موسى. قال سفيان: فقلت للشيخ ... إلى آخره.

                                                وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" : عن الثوري ، عن إسحاق بن عبد الله بن كنانة قال: "أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس أسأله عن الاستسقاء، فقال ابن عباس: خرج رسول الله - عليه السلام - متواضعا متضرعا متذللا، فخطب، ولم يخطب كخطبتكم هذه، فدعا وصلى ركعتين، فقلت له: أقبل الخطبة صلى أم بعدها؟ فقال: لا أدري" انتهى.

                                                فقد ذكر في هذا الحديث الصلاة والجهر فيها بالقراءة، فجهره - عليه السلام - بالقراءة فيها قد دل على أنصلاة الاستسقاء كصلاة العيدين التي تفعل في النهار في وقت مخصوص، فحكمها الجهر كما أن صلاة الجمعة من صلاة النهار وأنها تفعل في وقت مخصوص، فيكون حكمها الجهر.

                                                [ ص: 303 ] فثبت بذلك أمور ثلاثة:

                                                الأول: أن كل صلاة تفعل في نهار لأجل عارض من العوارض أو في يوم خاص; فحكمها الجهر بالقراءة فيها.

                                                الثاني: أن كل صلاة تفعل في سائر الأيام لا لعارض ولا في وقت خاص; فحكمها المخافتة بالقراءة فيها.

                                                الثالث: أن صلاة الاستسقاء سنة قائمة لا ينبغي تركها، فافهم.




                                                الخدمات العلمية