الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          ويخبر بما يجده بلا شكوى ، وكان أحمد يحمد الله أولا ، لخبر ابن مسعود { إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس شاك } متفق عليه .

                                                                                                          وقال [ ص: 177 ] صاحب المحرر : يخبر بما يجده لغرض صحيح ، لا لقصد شكوى ، واحتج أحمد بقوله عليه السلام { لعائشة لما قالت : وا رأساه ، قال : بل أنا وارأساه } واحتج ابن المبارك بقول ابن مسعود للنبي صلى الله عليه وسلم : { إنك لتوعك وعكا شديدا قال أجل كما يوعك رجلان منكم } متفق عليه . وفي الفنون : قوله تعالى { لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا } يدل على جواز الاستراحة إلى نوع من الشكوى عند إمساس البلوى ، قال : ونظيره { يا أسفى على يوسف } و { مسني الضر } و { ما زالت أكلة خيبر تعاودني } وفي تفسير ابن الجوزي في الآية الأولى : هذا يدل على إباحة إظهار مثل هذا القول عندما يلحق الإنسان من الأذى والتعب ، ولا يكون ذلك شكوى .

                                                                                                          وقال ابن الجوزي : شكوى المريض مخرجة من التوكل ، وقد كانوا يكرهون أنين المريض لأنه يترجم عن الشكوى ، ثم احتج بقول رجل للإمام أحمد [ رحمه الله ] : كيف تجدك يا أبا عبد الله ؟ قال : بخير في عافية ، فقال له : حممت البارحة ؟ فقال : إذا قلت لك : أنا في عافية فحسبك لا تخرجني إلى ما أكره .

                                                                                                          ووصف المريض ما يجده للطبيب لا يضره ، والنص المذكور لا حجة له فيه ، إنما يدل على ما قاله هو وغيره : إذا كانت المصيبة مما يمكن كتمانها فكتمانها من أعمال الله الخفية ، ولهذا ذكر شيخنا أن عمل القلب من التوكل وغيره واجب باتفاق الأئمة ، وأن الصبر [ ص: 178 ] واجب بالاتفاق . قال : والصبر لا تنافيه الشكوى ، قال : والصبر الجميل صبر بغير شكوى إلى المخلوق ، والشكوى إلى الخالق لا تنافيه ، ومراده : بل شكواه إلى الخالق مطلوبة ، كما ذكره في موضع آخر وقد نقل عبد الله في أنين المريض : أرجو أن لا يكون شكوى ، ولكنه اشتكى إلى الله . واقتصر ابن الجوزي على قول الزجاج : إن الصبر الجميل لا جزع فيه ولا شكوى إلى الناس . وأجاب عن قوله { يا أسفى على يوسف } بوجهين : أحدهما أنه شكا إلى الله لا منه ، واختاره ابن الأنباري ، وهو من أصحابنا ، والثاني أنه أراد الدعاء ، فالمعنى : يا رب ارحم أسفي على يوسف .

                                                                                                          وقال ابن الجوزي في قوله تعالى : { أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين } إن قيل : فأين الصبر وهذا لفظ الشكوى ؟ فالجواب أن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر وإنما المذموم الشكوى إلى الخلق ، ألم تسمع قول يعقوب : { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله } قال سفيان بن عيينة : وكذلك من شكا إلى الناس وهو في شكواه راض بقضاء الله لم يكن ذلك جزعا ، ألم تسمع { قول النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل في مرضه أجدني مغموما وأجدني مكروبا } وقوله : { بل أنا وارأساه } هذا سياق ما ذكره ابن الجوزي ، وقد روى ابن ماجه ، والترمذي وصححه ، عن خباب أنه قال وقد اكتوى في بطنه سبع كيات [ ص: 179 ] ما أعلم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لقي من البلاء ما لقيت ، وهذا والله أعلم قاله خباب تسلية للمؤمن المصاب لا على وجه الشكاية ، كما قاله ابن هبيرة عن قول أبي هريرة عن جوعه وربط الحجر ، تسلية للفقير ، ويحسن ظنه بربه ، قال القاضي : يجب .

                                                                                                          وقال صاحب المحرر : ينبغي ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعا : { أنا عند ظن عبدي بي } زاد أحمد { إن ظن بي خيرا فله ، وإن ظن بي شرا فله } .

                                                                                                          وقال ابن هبيرة في حديث أبي موسى { من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه } متفق عليه . قال : يدل على استحباب تحسين العبد ظنه عند إحساسه بلقاء الله ، لئلا يكره أحد لقاء الله يود أن لو كان الأمر على خلاف ما يكرهه ، والراجي المسرور يود زيادة ثبوت ما يرجو حصوله وتغلب رجائه ، وفي النصيحة : يغلب الخوف لحمله على العمل وفاقا للشافعية .

                                                                                                          وقال الفضيل بن عياض وغيره ، ونصه : ينبغي للمؤمن أن يكون رجاؤه وخوفه واحدا ، وفي رواية : فأيهما غلب صاحبه هلك .

                                                                                                          قال شيخنا : وهذا هو العدل ، ولهذا من غلب عليه حال الخوف أوقعه في نوع من اليأس والقنوط ، إما في نفسه وإما في أمور الناس ، ومن غلب عليه حال الرجاء بلا خوف أوقعه في نوع من الأمن لمكر الله ، إما في نفسه وإما في أمور الناس ، والرجاء بحسب رحمة الله التي سبقت غضبه يجب ترجيحه ، كما { قال تعالى : أنا عند حسن [ ص: 180 ] ظن عبدي بي ، فليظن بي خيرا } وأما الخوف فيكون بالنظر إلى تفريط العبد وتعديه ، فإن الله عدل لا يأخذ إلا بالذنب ، وعند الحنفية : يغلب الشاب الرجاء ، والشيخ الخوف ويذكره ( و ) زاد أبو الخطاب وغيره : المخوف عليه التوبة والوصية ، ويدعو بالصلاح والعافية .

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          الخدمات العلمية