الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          ويعتبر السوم بأن ترعى المباح . فلو اشترى لها ما ترعاه وجمع لها ما تأكل فلا زكاة . ولا زكاة في ماشية في الذمة . كما سبق . و للأصحاب وجهان : هل السوم شرط ، أو عدمه مانع ؟ فلا يصح التعجيل قبل الشروع فيه على الأول ، ويصح على الثاني ( م 1 ) . .

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          ( مسألة 1 ) قوله : وللأصحاب وجهان ، هل السوم شرط ، أو عدمه مانع ؟ فلا يصح التعجيل قبل الشروع فيه على الأول ، ويصح على الثاني ، انتهى ، وأطلقهما ابن تميم وابن حمدان في الرعاية الكبرى ، وصاحب الفائق ، وبنوا هذا الفرع على هذا الخلاف كما فعل المصنف ، أحدهما عدم السوم مانع .

                                                                                                          ( قلت ) : في كلام الشيخ والشارح وغيرهما القطع بأن عدم السوم مانع ، والوجه الثاني السوم شرط . [ ص: 354 ] تنبيه )

                                                                                                          قال القاضي محب الدين بن نصر الله في حواشي هذا الكتاب : في تحقق هذا الخلاف نظر ، لأن كل ما كان وجوده شرطا كان عدمه مانعا ، كما أن كل مانع فعدمه شرط ، ولم يفرق أحد بينهما ، بل نصوا على أن المانع عكس الشرط ، فوجود المانع كعدم الشرط ، فلزم من كل منهما انتفاء الحكم ، ووجود الشرط كعدم المانع ، لأنه يلزم من كل منهما وجود الحكم ، وحينئذ لا فرق بين العبارتين .

                                                                                                          وإذا كان كذلك لم يظهر وجه الاختلاف في الفرع المذكور ، فإن معنى كون عدم السوم مانعا أنه يمنع انعقاد الحول ، ومعنى كونه شرطا أنه شرط لانعقاده ، فإن كان انعقاد الحول شرطا في صحة التعجيل لم يصح مع عدم السوم ، لعدم انعقاده ، وصح مع وجوده ، وإن لم يكن انعقاد الحول شرطا في صحة التعجيل صح مع عدم السوم ، ولكن هذا لا يعرف ، أعني كون انعقاد الحول ليس شرطا في صحة التعجيل ، وعلى مقتضى ما ذكره المصنف ، من أن وجود مانع انعقاد الحول لا يمنع صحة تعجيل الزكاة لو كان معه نصاب ، وعليه دين مثله ، صح تعجيله ; لأن الدين مانع ، فلينظر في ذلك ، قال : وقد تقدم قبل هذه الورقة بخمس ورقات في أول الصفحة اليمنى : متى أبرئ المدين أو قضى من مال مستحدث ابتدأ حولا ; لأن ما منع وجوب الزكاة منع انعقاد الحول وقطعه ، وهذا يحقق أنه لا فرق بين وجود المانع وعدم الشرط في الحكم ، انتهى .

                                                                                                          والجواب عما قال وبالله التوفيق أن الخلاف الذي ذكره المصنف ليس مختصا به ، بل نقله عن الأصحاب ، وهو ثقة فيما ينقل ، وصرح به ابن تميم وابن حمدان وصاحب الفائق وغيرهم ، وكذلك الفرع المبني عليه لم يختص به المصنف ، بل قد سبقه إليه ابن تميم وابن حمدان وغيرهما ، وهم من أئمة المذهب ، وقد تابعهم المصنف ولم يتعقبهم كما هو عادته ، وملخص الجواب أن التعجيل يصح إذا وجد السبب [ ص: 355 ] وهو النصاب ، مع وجود المانع وهو عدم حولان الحول ، ألا ترى أن الأصحاب قالوا : يجوز التعجيل قبل الحول ونص عليه في رواية جماعة ، وهو مانع من وجوبها ، بل التعجيل لا يكون إلا كذلك ، ولا يصح مع وجود الشرط كاملا ، كمضي الحول فإنه شرط بلا نزاع ، ولا يصح التعجيل بعد وجوده ، لوجوبها إذن ، فهذا شرط لا يصح التعجيل بعد وجوده ، وما قلناه أولا مانع يصح التعجيل مع وجوده ، وهذه شبيهة بمسألة المحشي يصح التعجيل مع وجود المانع ، وهو عدم حولان الحول ، ولا يصح مع حصول الشرط ، وهو مضي الحول ، فإن عجل لحول مستقبل فالشرط لم يوجد ، والمانع موجود ، والله أعلم .

                                                                                                          وقول المحشي " لأن كل ما كان وجوده شرطا كان عدمه مانعا ، كما أن كل مانع فعدمه شرط ، ولم يفرق أحد بينهما بل نصوا على أن المانع عكس الشرط " انتهى . هذا صحيح ، قد نص عليه الأصوليون لكن لم يمنعوا من ترتيب حكم على وجود المانع وانتفائه قبل وجود الشرط أو بعضه . وقوله " فإن معنى كون عدم السوم مانعا أنه يمنع انعقاد الحول " غير مسلم ، بل ينعقد الحول ويكون مراعى ، ألا ترى أن الإبل مثلا إذا لم ترع في أول الحول ، كالشهر الأول والثاني والثالث والرابع مثلا ، ثم رعت بعد ذلك أكثر من نصف الحول ، نتبين أن الحول انعقد عن أوله وإن لم تكن رعت فيه ، فليس عدم السوم مانعا من انعقاد الحول مطلقا ، بل من الوجوب ، وقوله أيضا ، " معنى كون وجوده شرطا أنه شرط لانعقاده " غير مسلم أيضا ، بل قد ينعقد الحول قبل وجود الشرط ، كما مثلنا قبل ، وقد لا ينعقد إلا بعد وجوده ، كالإسلام والحرية .

                                                                                                          وقوله " فإن كان انعقاد الحول شرطا في صحة التعجيل لم يصح مع عدم السوم ، لعدم انعقاده ، وصح مع وجوده " فنقول : ليس بين انعقاد الحول وعدم السوم ملازمة ، لصحة التعجيل ، بل قد ينفك عنه وهو وجود الحول مع عدم السوم ، كما مثلنا به قبل ، وقوله " وإن لم يكن انعقاد [ ص: 356 ] الحول شرطا في صحة التعجيل صح مع عدم السوم " فنقول : هذا صحيح فإن عدم انعقاد الحول ليس بشرط في صحة التعجيل ، بل يصح التعجيل قبل انعقاد الحول إذا وجد السبب ، ألا ترى أن الأصحاب جوزوا التعجيل عن الحول الثاني قبل دخوله ، على الصحيح من المذهب ، وقدمه المصنف ، وكذلك عن الحول الثالث على رأي ، وقد صح انعقاد الحول مع عدم السوم ، وقوله " ولكن هذا لا يعرف أعني كون انعقاد الحول ليس شرطا في صحة التعجيل " غير مسلم ، بل هو معروف ، وقد قاله الأصحاب ، كما قلنا إذا عجله لأكثر من حول إذا وجد السبب وهو النصاب ، وعلى كل تقدير يجوز التعجيل إذا وجد السبب وهو النصاب ، مع وجود المانع وهو عدم حولان الحول ، وأما وجود بعض الشروط كاملا فلا يتصور معه تعجيل الزكاة ، كحولان الحول مثلا ، وقد يتصور إذا وجد بعض الشرط ، كالسوم إذا قلنا إنه شرط وشرع فيه ، وكذا الشروع في الحول في زكاة النقدين ونحوهما ، وقوله " وعلى مقتضى ما ذكره المصنف من أن وجود مانع انعقاد الحول لا يمنع صحة تعجيل الزكاة لو كان معه نصاب ، وعليه مثله ، صح تعجيله ; لأن الدين مانع فلينظر " غير مسلم ; لأن المصنف لم يلتزم أن كل مانع يجوز التعجيل معه ، بل قال : وذلك إذا وجد السبب . وهنا لم يوجد السبب لوجود الدين ، والله أعلم .




                                                                                                          الخدمات العلمية